محمد جمال الدين القاسمي
379
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
فعلم أن اختلاف الصحابة والتابعين والمجتهدين في الفروع ليس مما تشمله الآية ، فإن المراد منها الاختلاف عن الحق ، بعد وضوحه ، برفضه ، وشتان ما بين الاختلافين . ثم على طالب الحق أن يستعمل نظره فيما يؤثر من هذه الخلافيات ، فما وجده أقوى دليلا أخذ به ، وإلا تركه . وحينئذ يكون ممن قال اللّه تعالى فيه : فَبَشِّرْ عِبادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ [ الزمر : 17 - 18 ] . وإذا اشتبه عليه مما قد اختلف فيه ، فليدع بما رواه مسلم « 1 » في صحيحه عن عائشة رضي اللّه عنها أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان يقول - إذا قام يصلي من الليل - اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل ، فاطر السماوات والأرض ، عالم الغيب والشهادة ، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون ، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك ، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم . فإن اللّه تعالى قال فيما رواه عنه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « 2 » : يا عبادي كلكم ضال إلا من هديت ، فاستهدوني أهدكم - انتهى . الرابع : ذكر بعض المفسرين ، هنا ، ما روي من حديث ( اختلاف أمتي رحمة ) ، ولا يعرف له سند صحيح ، ورواه الطبرانيّ والبيهقيّ في ( المدخل ) بسند ضعيف عن ابن عباس مرفوعا . قال بعض المحققين : هو مخالف لنصوص الآيات والأحاديث ، كقوله تعالى : وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ [ هود : 118 - 119 ] .
--> ( 1 ) أخرجه مسلم في : صلاة المسافرين وقصرها ، حديث 200 . ( 2 ) أخرجه مسلم في : البر والصلة والآداب ، حديث 55 ونصه : عن أبي ذر ، عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ، فيما روى عن الله تبارك وتعالى أنه قال : « يا عبادي ! إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما . فلا تظالموا . يا عبادي ! كلكم ضال إلا من هديته . فاستهدوني أهدكم . يا عبادي ! كلكم جائع إلا من أطعمته . فاستطعموني أطعمكم . يا عبادي ! كلكم عار إلا من كسوته . فاستكسوني أكسكم . يا عبادي ! إنكم تخطئون بالليل والنهار ، وأنا أغفر الذنوب جميعا . فاستغفروني أغفر لكم . يا عبادي ! إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني ، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني . يا عبادي ! لو أن أولكم وآخركم ، وإنسكم وجنكم ، كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ، ما زاد ذلك في ملكي شيئا . يا عبادي ! لو أن أولكم وآخركم ، وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد ، ما نقص ذلك من ملكي شيئا . يا عبادي ! لو أن أولكم وآخركم ، وإنسكم وجنكم ، قاموا في صعيد واحد فسألوني ، فأعطيت كل إنسان مسألته ، ما نقص ذلك من عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر . يا عبادي ! إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها . فمن وجد خيرا فليحمد الله . ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه .